محمد سعيد رمضان البوطي

33

فقه السيرة ( البوطي )

العبادات ووجوه الارتفاقات ، إذ الشرع إنما هو إصلاح ما عندهم لا تكليفهم بما لا يعرفونه أصلا » « 1 » . وأما النص الكامل الثابت في كتاب حجة اللّه البالغة إلى جانب نفس العبارات التي اقتنصها ليحور معناها فهو ما يلي : « واعلم أنه صلى اللّه عليه وسلم بعث بالحنيفية الإسماعيلية ، لإقامة عوجها وإزالة تحريفها وإشاعة نورها ، وذلك قوله تعالى : مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ [ الحج : 78 ] ولما كان الأمر على ذلك ، وجب أن تكون أصول تلك الملة مسلمة وسنتها مقررة ، إذ النبي إذا بعث إلى قوم فيهم بقية سنة راشدة فلا معنى لتغييرها وتبديلها ، بل الواجب تقريرها لأنه أطوع لنفوسهم وأثبت عند الاحتجاج عليهم ، وكان بنو إسماعيل توارثوا منهاج أبيهم إسماعيل ، فكانوا على تلك الشريعة إلى أن وجد عمرو بن لحيّ ، فأدخل فيها أشياء برأيه الكاسد ، فضلّ وأضلّ ، وشرع عبادة الأوثان وسيّب السوائب وبحر البحائر ، فهنالك بطل الدين واختلط الصحيح بالفاسد وغلب عليهم الجهل والشرك والكفر فبعث اللّه محمدا صلى اللّه عليه وسلم مقيما لعوجهم ومصلحا لفسادهم ، فنظر صلى اللّه عليه وسلم في شريعتهم فما كان منها موافقا لمنهاج إسماعيل عليه السلام أو من شعائر اللّه أبقاه ، وما كان منها تحريفا أو فسادا أو من شعائر الشرك أو الكفر أبطله وسجل على إبطاله » . ولا ريب أننا لا نسوق عمل مثل هذا « الباحث » وتحريفه ، للنظر والمناقشة فمن العبث مناقشة لغو مفضوح مثل هذا اللغو ، ولكننا نقصد أن يعلم القارئ مدى ما تفعله العصبية العمياء بصاحبها ، كما نريد أن يقف على حقيقة ما يتمشدق به بعض الناس من منهجية البحث وموضوعيته لدى علماء الغرب ثم مدى ما يفعله التقليد الذليل الأعمى ببعض المسلمين أنفسهم ! . إذن ، فقد أدركت حقيقة العلاقة بين الإسلام والفكر الجاهلي الذي كان سائدا لدى العرب قبل ظهوره ، كما أدركت العلاقة بين العصر الجاهلي والملة الحنيفية التي كان قد بعث بها إبراهيم عليه الصلاة والسلام . وقد تجلى لك من ذلك ، السبب الذي من أجله أقر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كثيرا من العادات والمبادئ التي كانت سائدة عند العرب ، في حين أنه ألغى سائرها وذهب في حربها والقضاء عليها كل مذهب .

--> ( 1 ) انظر بنية الفكر الديني لجيب : 58 .